يهود مَغاربَة في حَضرة تَمْغْرَبيتْ

إلى روح العزيزة بيرْلاَ كُوهين

هناك جراح يتركها غياب من بصموا حياتنا بحضورهم، وهناك وشوم يحضر من خلالها غياب من وشموا مشتركنا بوجودهم فينا وبيننا ومعنا. الجرح والوشم عنوانان لكتاب الحضور، من حماة الماضي من عبثية الحاضر، ومُقَاومَة تحاصر من يكتبون التاريخ بممحاة.

تَمْغْرَبيتْ في المْلاحْ

في تسمية الأحياء التي يسكنها اليهود المغاربة بالمْلاحْ إحالة على خصوصية مغربية خالصة بدأ التأسيس لها منذ ما يزيد عن ألفي سنة؛ خصوصية لا نجد لها مثيلا في كل دول العالم التي عاش فيها اليهود، ففي دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط مثلا تسمى الأحياء اليهودية بالحَارَة، وفي الدول الأوربية تستعمل كلمة الحي (Le quartier juif).. وحدهم المغاربة اختاروا المْلاحْ والملْحْ لتسمية التجمعات السكنية للمغاربة اليهود.

تشير المعطيات التاريخية إلى أن أصل تلك التسمية يعود لحي يهودي تم بناؤه في مدينة فاس، زمن العهد المريني في القرن الخامس عشر، في منطقة كان يجمع فيها الملح ويخزن تمهيدا لتصديره عبر القوافل التجارية، قبل أن تعمم التسمية على كل التجمعات اليهودية بالمغرب. فَقَرَابَةُ الملح في المجتمع المغربي لها من الأثر والقوة ما يجعلها في بعض الحالات أقوى من قرابة الدم.

لم يكن لتمغربيت أن تكون استثنائية وطنية بامتياز (exceptionnalisme national) لو قامت فقط على التاريخ والثقافة ومؤسسات تدبير المشترك، فقد أصبحت على ما هي عليه من القوة بفعل تأسيسها على قرابة الملح وقرابة الدم إلى جانب العناصر الأخرى. فتمثلات المغاربة للوطن ‘لْبْلاَدْ” ولمؤسسات الدولة والعيش المشترك ومنظومة القيم والمكونات الثقافية والهوية لها عنوان واحد: تَمْغْربيتْ.

يستغرب بعض المتتبعين لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الحب الكبير الذي يكنه اليهود المغاربة في إسرائيل لبلدهم المغرب، ويتساءلون عن سر كل هذا التعلق به والاستعداد لخدمته مهما كلف الأمر؛ لكن لو بحثوا في الأمر وأحاطوا بالقليل من سحْر تَمْغْربيتْ لوجدوا أن المغاربة جميعا لديهم الارتباط نفسه، فمهما كان استياء الكثيرين منهم من ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، واستعداد الكثيرين منهم للهجرة بحثا عن فرص تحسين أوضاعهم، يبقى الارتباط بالوطن قويا. فبمجرد ما يخطو المغربي أولى الخطوات في المهجر تسكنه “لْبْلاَدْ” ويغمره حلم العودة.

سحْرُ تَمْغْرَبيتْ

في فيلم وثائقي لقناة الجزيرة بعنوان “الصعود نحو الشتات”، أكد الصحافي الإسرائيلي من أصل مغربي “دانيال بن سيمون” أن اليهود المغاربة هم الجماعة اليهودية الوحيدة في إسرائيل التي لها علاقة سحرية ببلدها الأم، وأضاف أن هناك بعثا للهوية المغربية في إسرائيل، مردفا: “لقد عادت الهوية المغربية، فالجيل الأول والثاني يتحدثون بالمغربية”.

ويؤكد بن سيمون أنه في زيارته إلى إحدى المدارس تحدث إلى تلميذين في عمر السابعة وسألهما: من أين أنتما؟ فأجاباه: نحن من إسرائيل، لكن آباءنا من المغرب، إذن نحن مغاربة.

فالمغاربة، يهودا ومسلمين، يحملون معهم تمغربيت أينما حلوا وارتحلوا كما يحمل الحلزون قوقعته، لذلك حينما تقدم مئير بن شابات، رئيس المجلس القومي الإسرائيلي، للسلام على الملك محمد السادس يوم 22 دجنبر 2020، خاطبه بكلام لا يعرف عمق مضمونه إلا المغاربة وهو واحد منهم. قال مائير بن شابات للملك: “الله يبَارْكْ ويطولْ فْعْمْرْ سيدي”..ورغم أنه كان يقود وفدا إسرائيليا رفيع المستوى، فقد تصرف مئير بن شابات كأي مواطن مغربي في حضرة ملك المغرب.

لقد حظيت مراسيم الاستقبال تلك بمتابعة كبيرة في إسرائيل والمغرب خصوصا، وفي باقي دول العالم عموما. ورغم وضوح دلالات الخطاب وقوة إيحاءات طقوس الاستقبال، لم تتعال أصوات المعارضة السياسية في إسرائيل لانتقاد مائير بن شابات، علما أن إسرائيل تعيش على إيقاع صراع سياسي وانتخابي غير مسبوق. لم ينتقد أحد بن شابات في إسرائيل، لسبب بسيط يتمثل في اقتناع كل مكونات شعب دولة إسرائيل بالتعلق الخاص للإسرائيليين من أصل مغربي بتَمْغْرَبيتْ، وبوطنهم الأم وتاريخه ومؤسساته وثقافته.

ويرجع ذلك الاقتناع إلى السنوات الأولى من وصول المهاجرين المغاربة الأوائل إلى إسرائيل، فقد انتفض المغاربة اليهود ضد الإجراءات التمييزية للسلطات الإسرائيلية ضد اليهود القادمين من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وضد تغول اليهود الأشكناز القادمين من أوروبا وسيطرتهم على كل مفاصل الدولة الناشئة. لقد كانت انتفاضة المغاربة اليهود في وادي الصليب سنة 1959 حدثا مفصليا في تاريخ الدولة الإسرائيلية. في ذلك اليوم رفع اليهود المغاربة شعارا قويا في وجه الحكومة الإسرائيلية، قالوا بصوت واحد: “يَا مَلكَ المَغْربْ أَرْجعْنَا إلى بلاَدنَا”. ما حدث في وادي الصليب عززته حركة الفهود السود (Black Panthers) التي أسسها سنة 1972 شباب يهود مغاربة ناقمون على احتكار اليهود القادمين من أوروبا للثروة والسلطة والقيم.

الأسطورة المؤسسة

تحكي الأسطورة المؤسسة لوصول اليهود إلى أقصى غرب شمال إفريقيا أنه إبان هجرة كليم الله سيدنا موسى من مصر، اختار بعض من المؤمنين به من بني إسرائيل التوجه غربا عوض عبور البحر الأحمر والتوجه شرقا صوب فلسطين. فكان لهم ذلك واستقروا بالمغرب.

في لقاء تاريخي له مع المغاربة اليهود بشمال أمريكا سنة 1982، أعاد الراحل الملك الحسن الثاني، رحمه الله، على مسامع رعاياه المغاربة اليهود رواية الهجرة إلى المغرب، مع تذكيرهم بأن المدرسة التلمودية المغربية هي أحسن مدرسة تلمودية في العالم، وبأن الحاخامات المغاربة يستفتيهم الرهبان من شتى أنحاء العالم، لأن الدين اليهودي المغربي أَصيل.

ولعل في اعتقاد المغاربة اليهود بوجود أورشليم صغيرة بالمغرب ما يعزز هذه الرواية. فقد جاء في كتاب “يهود المغرب وحديث الذاكرة”، لمؤلفه عُمَرْ بُومْ، أن مدينة يهودية ظهرت للوجود فأطلقوا عليها اسم أورشليم الصغيرة، وقد بنوها في هيئة المدينة المفقودة، وأودعوا ببناية الكنيس الجديد أشياءهم المقدسة وشرائع التلمود بعد أن أنقذوها من الأعمال التخريبية التي استهدفت هيكل سليمان. والمقصود بأورشليم الصغيرة عند يهود الجنوب المغربي هي إفران الأطلس الصغير، أو أُوفْرَانْ كما ينطقها المغاربة اليهود.

إن التوقف عند هذه الروايات التاريخية من شأنه المساعدة على فهم الأسباب التي تجعل المغربي اليهودي يضع هويته المغربية في مرتبة أعلى من هويته الروحية والدينية. ومن الأمثلة على هذا المعطى ما أقدم عليه الاتحاد العالمي لليهود المغاربة حين طالب إسرائيل بسحب المغرب من قائمة الدول التي تطالبها الدولة العبرية بتعويض الممتلكات التي تركها اليهود وراءهم.

وجاء في الرسالة التي وجهها الاتحاد إلى الحكومة الإسرائيلية: “المغرب لم يطرد اليهود من بلَادهمْ ولم يستولِ أبدا على ممتلكاتهم، بل إن حوالي 300 ألف يهودي غادروا البلاد عام 1960 وتركوا وراءهم آلاف الأماكن، مثل المعابد والمقابر، وأرشيفا مهمّا، وتعمل السلطات المغربية إلى حد اليوم على حماية ذلك على حسابها”.

تَمْغْرَبيتْ وحق الشعب الفلسطيني

يوم التقى الصحافي الإسرائيلي من أصل مغربي دَانيال بنْ سيمُونْ بالأمير مولاي رشيد، شقيق ملك المغرب، في مأدبة غداء في قصر الإليزيه الرئاسي بباريس، قال له الأمير: “أتدري سيد بن سيمون أني أتساءل أين قِيَمنا المغربية، وماذا حلّ بها في إسرائيل؟”.

كان سؤال الأمير مباشرا ومعبرا في الوقت نفسه عن آمال الشعب المغربي في يوم يلعب فيه مليون مغربي يعيشون في إسرائيل دورا مهما في الدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط. ينتظر المغاربة المسلمون من إخوانهم اليهود في إسرائيل الضغط على النظام السياسي الإسرائيلي من أجل تقديم التنازلات اللازمة لتذليل العقبات أمام قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة.

ينتظر الشعب المغربي من أبنائه في إسرائيل أن يكونوا سفراء له في كل أماكن تواجدهم، كما حثهم على ذلك المغفور له الملك الحسن الثاني سنة 1995 في لقاء جمعه بالمغاربة اليهود بأمريكا الشمالية. سفراء ينتصرون للتعايش بين الديانات السماوية في منطقة يتربص بها التطرف الديني والقومي من كل جانب، سفراء يدافعون بكل القوة اللازمة عن حل الدولتين، دولة فلسطينية كاملة السيادة ودولة إسرائيلية تنعم بالأمن والسلام.

بيرلا كوهين :

الراحلة بيرْلاَ كُوهينْ من مواليد مدينة مكناس بوسط المغرب سنة 1943، أستاذة مختصة في السوسيولوجيا والتاريخ والعلاقات الدولية.

لها مجموعة من الدراسات البحثية حول الصراعات في أمريكا الجنوبية، وقد كانت مكلفة بمختبر l’Ordinaire Latino américain، لمدة خمسة عشر عاما؛ كما كانت مسؤولة العلاقات الدولية بالقطب الجامعي الأوروبي بتولوز (Pôle Universitaire Européen de Toulouse).

بعد عودتها إلى المغرب سنة 2011، اشتغلت كمكلفة بمهمة إلى جانب سيرْج ْبيرْديكُو، رئيس الطائفة اليهودية بالمغرب والسفير المتجول لملك المغرب؛ وقد اشتغلت منذ 2011 على التراث اليهودي المغربي بمكوناته الأمازيغية والعربية والأندلسية.

وافتها المنية يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018.

مصدر: هسبريس
تابع المزيد من المقالات على موقعنا: مغرب نيوز أون لاين

اشترك في جوجل الأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *