سيكولوجية مغاربة وقت “كورونا” .. هيمنة العواطف والفكر التبريري

تعُجّ الشبكات الاجتماعية بأخبار زائفة أحياناً وغير دقيقة أحياناً أخرى بالتزامن مع الظرفية الاستثنائية التي تعيشها المملكة بفعل تداعيات جائحة كورونا التي أرخت بظلالها على الخيال الجمعي للمغاربة، ما جعل من وسائل التواصل الاجتماعي فاعلاً محوريا في إدارة “أزمة الجائحة”.

وبعدما أقرّت وزارة الداخلية حالة “العزلة الصحية” لكبح سرعة تفشي الوباء، أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي المتنفّس الرئيسي لجميع المغاربة، سواء من حيث التواصل مع الآخرين أو من حيث الحصول على المعلومات، لكن جلّ مضامينها تحثّ على الهلع والخوف من الفيروس المستجد، مقابل نسبة قليلة تساهم في نشر الثقافة الوقائية.

وصُنّفت المملكة ضمن الدول الأكثر تفاعلاً مع الوباء من حيث التعليقات التي تعجّ بها مواقع التواصل الاجتماعي، وفق دراسة بحثية منشورة في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، تصدّرت فيها السعودية دول المنطقة، تلتها مصر، فالكويت، ثم الإمارات، فالعراق ولبنان، ثم المغرب بنسبة 3.1 في المائة.

وأشارت الورقة المعنونة بــ “اتجاهات تفاعل مواقع التواصل الاجتماعي مع كورونا” إلى صعود الاهتمام الشبابي بالوباء، بالنظر إلى أن الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة هي أكثر الفئات اهتماماً بالحديث عن فيروس كورونا المستجد، وذلك بنسبة 50.7 في المائة، وهي الفئة العمرية الأكثر عددا في الوطن العربي.

كما يلفت غوستاف لوبون، من خلال كتابه المعنون بـ “سيكولوجية الجماهير”، إلى أن “الجمهور النفسي عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة لكنها متراصة الصفوف للحظة من الزمن”، ذلك أن الظرفية الراهنة التي نعيشها جعلت جلّ المغاربة يتحرّكون بطريقة مشابهة إزاء الحالة الوبائية، وهو ما تمثّل في المشاعر السلبية التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي.

ويبدو أن الخوف قد تسرّب إلى معظم رواد الشبكات الاجتماعية، استناداً إلى نوعية التعليقات المتداولة بكثرة، وهو ما يُسمِيه لوبون بـ “العدوى الذهنية” التي تتدخل لكي ترصد لدى الجماهير تجليات الصفات الخاصة، ثم لكي توجهها في الوقت نفسه، لكن ذلك الخوف قد يجد مبرّره لدى فئات عريضة بسبب ضعف البنيات الصحية في المملكة.

وتعليقاً على الخوف السائد في الوسائط الاجتماعية، قال محسن بنزاكور، باحث في علم النفس الاجتماعي، إن “الخوف ظاهرة طبيعية وعادية، لأنها تجسد نوعا من الذكاء في الحفاظ على الحياة والوقاية من المخاطر؛ ومن ثمة، طبيعي أن تعبر عنها وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما في ظل انتشار الجهل الواسع”.

وأضاف بنزاكور، في تصريح أدلى به لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الطامة الكبرى تكمن في تحوّل كورونا إلى حديث يومي في الشارع والقنوات التلفزيونية، ما يجعل المخيّلات هي التي تلعب ذلك الدور”، وشرح أن “المعلومة العلمية خاضعة للانضباط الفكري، بينما المخيّلة تخضع للعواطف عوض المعرفة”.

وضرب المتحدث المثال بعبارات تُتداول في مواقع التواصل الاجتماعي، من قبيل: “هذا غضب الله”، أو “هادي مصيبة.. واش مْخَبْيِين شي حاجة”، مبرزا أنها “مخيّلات تخفي فكرة المؤامرة لدى كثيرين، ما يجعلهم يبحثون عن المعلومة لتبرير ذلك، وهي ليست واقعية على الإطلاق، لكن التداول السريع في مواقع التواصل الاجتماعي يجعلها حقيقة”.

واستطرد بنزاكور بأن “وسائل التواصل الاجتماعي تعطي المشروعية لهذه المخيلة التي تربط الواقع بنهاية الكون، عبر البحث عن كتابات مفكرين عالميين لتبرير ذلك”، مرجعا ذلك إلى “عدم التسلّح بالمعرفة، مقابل اتباع العواطف عوض العقل، لأن القاعدة العلمية تقول إنه إذا اعترض العقل مع المشاعر، فهذه الأخيرة هي التي تنتصر، خصوصا في هذه الظرفية”.

وختم الباحث في علم النفس الاجتماعي تصريحه قائل إن: “المخاوف لم تعد محصورة في الخيال فقط، بل ترجمت على شكل صوت وصورة، عبر الصور المتداولة للمستشفيات الممتلئة والمقابر الفارغة، ما يزكي هذه المخاوف، لكن مواجهتها يتطلب مستوى ثقافيا وثقة في النفس”، موضحا أن “كتاب سيكولوجية الجماهير يؤكد أنه حينما يكون فكر الحشد، فأول ما يغيب هو التعقل”.

مصدر: هسبريس
تابع المزيد من المقالات على موقعنا: مغرب نيوز أون لاين

اشترك في جوجل الأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *