النقش على خشب العرعار بالصويرة .. صناعة عريقة تواجه الاندثار

في كل مرة تحصد مدينة الصويرة اعترافا ومكانة (التراث العالمي، ومدينة مبدعة، وعاصمة فن كناوة)، ما يعزز من قيمتها السياحية التي برمجت من أجلها مشاريع تنموية كبرى، ستزيدها بهاء وتحافظ عليها كمحج للسائحين من داخل وخارج المغرب.

وإذا كانت المشاريع الملكية جاءت في سياق التوزيع العادل للتنمية المستدامة، فالأخيرة لا يمكن ضمانها دون العناية بالبشر، كالحرفيين والمهنيين بقطاع صناعة خشب العرعار، أيقونة مدينة الصويرة التي تشكو في صمت.

فما هي أهم المشاكل التي يعاني منها الحرفيون والمهنيون في هذا القطاع؟ وبأي معنى يمكن فهم قيمة هذه الصناعة في ظل نقص سن قوانين لحماية البيئة والغابة؟ وإلى أي حد تحضر هذه الفئة من الصناع في مخطط التغطية الصحية؟ وكيف يمكن تحسين دخل الصانع والمهني المهتم بالنقش على خشب العرعار؟..تلكم باقة أسئلة وجهت هذا الروبرتاج، للوقوف على ما يعانيه صناع خشب العرعار بمدينة الصويرة، وما تقوم به الجهات الوصية للتغلب على هذه الصعوبات، وضمان استمرار هذه الحرفة التقليدية التي تعتبر من رأسمال منطقة سياحية بامتياز.

محمد أيت المودن، مهني بقطاع خشب العرعار بمدينة الرياح، قال في تصريح لهسبريس: “مدينة الصويرة معروفة بصناعة خشب العرعار، وهي منطقة توجد وسط المغرب، بين مراكش وأكادير، وتتموقع على ساحل أطلسي”، وواصل: “بين مراكش وتارودانت توجد غابة مساحتها 900 ألف هكتار، يتكون غلافها الغابوي من شجر العرعار”، مضيفا: “يستحيل أن يزور سائح من المغرب أو من خارجه مدينة الصويرة دون اقتناء منتج العرعار”.

وشجرة العرعار يبلغ سنها بين 14 و20 سنة، يقول المتحدث نفسه، الذي أشار إلى أن “قطاع النقش على خشب العرعار بالصويرة يعتبر من أهم القطاعات النشيطة بالمدينة، لأنه يساهم في تحسين ظروف العيش وتوفير الشغل لعدد مهم من السكان”.

وأورد المهني نفسه: “الحرفيون الصويريون القدماء كانوا يستعملون جذر شجرة العرعار أو ما يسمى “الكايزة”، كما يستعملون خشب الليمون”، مشيرا إلى أن “الشجرة توفر نوعين من الخشب (الجذر والتوريق)”.

ويعتمد الحرفي أيضا على “عود الطلح”، وهو شجرة تشبه “السدرة”، إلا أن قامتها قصيرة وجذورها طويلة، ويعتمد عليها في التطعيم، ويقال لها أيضا “تادوة”، وهي عود شديد الصلابة، وأسود اللون، يجلب من منطقة حاحا بإقليم الصويرة، حسب أيت المودن.

“صناعة العرعار تمتاز بالزخرفة التي تبدعها يد الصانع، الذي يعتمد في نقوشه على أنامله بعيدا عن استعمال الآلة، سواء في صناعة الصناديق أو الطاولات أو غيرها”، يقول المهني نفسه.

ورغم الدور التي تلعبه صناعة خشب العرعار، التي تعد عاملا أساسيا في إنعاش الحركة التجارية والسياحية بالمدينة، وتعتمد على تحويل المواد الأولية المحلية إلى منتوج للتداول التجاري على الصعيد الوطني والدولي، فإن المادة الأولية بدأت تقل مع ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بسبب شروط تفرضها عدة جهات، كالمياه والغابات مثلا، حسب رواية المصدر ذاته.

“قلة المادة الأولية كان لها الدور الكبير في تراجع التعاطي مع هذه الحرفة، التي تسير نحو الانقراض، لأن شباب اليوم لا يقبلون على تعلمها؛ والصانع الذي يتفنن في إبداع لوحات فنية على خشب العرعار لم يعد يجد مجالا لتسويق منتجه محليا أو وطنيا أو عالميا”، تؤكد تصريحات متطابقة لمن استقت هسبريس آراءهم.

وشجر العرعار أنواع توجد كلها بالمغرب؛ “لكن الذي يوجد بالجهة الشرقية لا يستعمل في صناعة النقش على الخشب لأنه غير صالح لاحتوائه على الأحجار، لذلك يستعمل في الفرن و”الحمام البلدي”، عكس عرعار الصويرة”، بتعبير المصدر عينه.

وتابع أيت المودن: “يعرض الخشب على أشعة الشمس لتجفيفه من الماء، حتى يصبح قادرا على التعايش مع مناطق تتميز بارتفاع الحرارة، وبعدها يشتغل عليه الصانع بطرق عديدة بين 20 و60 يوما، ليصنع منه تحفة تسر الناظرين، لكن بعد ذلك يكون مضطرا لبيعها بثمن بخس”.

المعلم بوجمعة، الذي قضى 40 سنة في هذه الحرفة، قال في تصريح لهسبريس: “نصنع الموائد وكل ما تحتاجه المنازل، كالأسرة، من هذا النوع من الخشب ذي المذاق المر، ما يمنعه من التسوس”.

“هذا الخشب غابوي، لذا على المسؤولين أن يوزعوه بشكل قانوني ووفقا لقواعد تمكن الصناع من المادة الأولية”، هكذا رفع هذا الحرفي طلبه للجهات المعنية، مضيفا: “عايشنا عدة “معلمين” عمروا حوالي قرن مستعملين هذا النوع من الخشب، ورغم ذلك ظلت الغابة محتفظة باستمرارها، لتضمن لنا مصدر عيشنا”.

“خشب العرعار يوفر لنا إمكانية الإبداع، لكن شباب اليوم يفرون من هذه الصنعة”، يروي بوجمعة بحسرة بادية على وجهه، ثم أشار إلى جهات بالمركز التقني، ليستدل على غياب المتعلمين، وينبه إلى معاناة “المعلمين” الذين بلغوا من العمر عتيا من غياب التأمين الصحي؛ “كما أنهم لا يتوفرون على بطاقة “الرميد”، ومحرومون من التقاعد”.

“بمدينة الصويرة يوجد العديد من الصناع المهرة المبدعين، لكن المشكل العويص الذي يجابه هذا القطاع هو تسويق ما تتفنن في إبداعه أناملهم من منتج ذي جودة عالية”، يروي محمد وعلا، مسؤول عن قاعة للبيع بمركز الدعم التقني لخشب العرعار بالصويرة، وتابع: “لكن الإكراه الكبير الذي يواجه الصناع التقليديين والمهنيين في حرفة خشب العرعار هو مشكل تصريف ما ينتجون بثمن يناسب تعب أياديهم، وتخطيط ذهنهم، وعرق جبينهم، وما يبذلونه من مجهود فني وإبداعي”.

“التسويق داخل مدينة الصويرة يعرض الحرفيين لقهر الوسطاء، الذين يتعاملون مع الصانع بلغة قانون السوق المؤلم”، يورد المتحدث نفسه، مضيفا: “في لحظات أوج الرواج السياحي تكون الأثمان مرتفعة، وفي فترات الركود تتراجع إلى درجة لا تكفي لاسترجاع مصاريف المواد الأولية للمنتج التقليدي”.

هذا الوضع يعرض الصانع لأزمات مالية خانقة، ولمشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة، على حد رواية وعلا، الذي أوضح أن “الصناع حاولوا الانتظام في جمعيات وتعاونيات لمخاطبة الجهات الوصية، ما مكنهم من فتح محلات لعرض منتجهم أو ترويجه بثمن مناسب في معارض وطنية ودولية”.

وأشار هذا المهني إلى أن “وزارة الصناعة التقليدية والغرفة المعنية بهذا القطاع تنظمان معارض محليا ووطنيا بمشاركة درا الصانع، للمساعدة على تسويق ما ينتجه الصانع التقليدي الصويري، لكن كل هذه المجهودات غير كافية لتغطية حاجياته والتخفيف عن أعباء حياته”.

إدريس الشرقاوي، المندوب الإقليمي للوزارة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي بالصويرة، أوضح لهسبريس أن “التغطية الصحية قضية وطنية تنكب عليها الحكومة في شخص وزارة الشغل لتعميمها”، وزاد مستدركا في تصريح لهسبريس: “لكن العديد من الصناع يريدون هذه الخدمة الاجتماعية بالمجان، وفي العالم بأسره يساهم المستفيد في التأمين الصحي، الذي يؤمن له ولأسرته الاستفادة من الخدمات الصحية”.

وبخصوص المادة الأولية قال المتحدث ذاته: “خشب العرعار متوفر بثمن مناسب (2000 درهم) مقارنة مع قانون السوق الذي يخضع للعرض والطلب”، مضيفا: “بعد شكوى حرفيين من عجزهم عن توفير هذا المبلغ طالبتهم الوزارة بالانضمام إلى جمعيات من أجل تكوين مخاطب رسمي؛ إثر ذلك ساهمت بمبلغ أولي يقدر بـ50 ألف درهم، ووعدت بالمساهمة بـ200 ألف درهم لتفعيل اتفاقية وقعت سنة 2012 تنص على توفير المادة الأولية بثمن تفضيلي”.

وبفضل هذه الاتفاقية الموقعة بين وزارة المصلي والمندوبية السامية للمياه والغابات، “سيتم تخفيض تكلفة المادة الأولية (خشب العرعار) بحوالي 50 و60% عن ثمن السوق لفائدة الفقراء من الصناع التقليديين في صناعة خشب العرعار”، وفق المصدر ذاته، مردفا: “مسألة التسويق بالنسبة للصويرة حالة خاصة، لأن مدينة الرياح تعتبر معرضا مفتوحا ودائما، باعتبارها محجا سياحيا بفعل ما حصدته من اعترافات وطنية وأممية كمدينة للإبداع وحاضنة مهرجان “كناوة موسيقى العالم”، كما حصدت عدة جوائز وتحضر في العديد من المعارض الدولية”.

“لا نقصي أحدا من الصناع والمهنيين من المعارض، كل ما في الأمر أن نسبة كبيرة من الصناع الذين يخضعون للتحسيس بمواصفات الجودة للحصول على الشارة، التي تؤهلهم للمشاركة، لا يأبهون بأهمية ذلك، رغم تقديم الوزارة الوصية مساعدات مالية وفنية للحصول عليها”، يوضح المسؤول ذاته.

مصدر: هسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *