هكذا عاشتْ مدينتا النّاظور ومليلية المحتلة “إغلاق المعابر” الحدودية

يستمرّ فيروس “كورونا” الوبائي في إغلاق الحدود وتعليق الرّحلات وعزل البلدان بعضها عن بعض، وفي تغيير ملامح السّياسات العامّة على مستوى العالم.

فعلى غير العادة، بدتْ شوارع المعابر الحدوديّة الفاصلة بين النّاظور ومليلية السّليبة صباح الجمعة مُقفرةً تمامًا، بعد تنفيذ السّلطات المحليّة قرارَ إغلاقها أمس الخميس، في خطوةٍ وقائيّة لمنعِ انتشار الفيروس الذي سجّل أرقامًا مهمّة لدى الجارة الإسبانية.

ازدحام وفوضى

شهدت المعابر الحدودية ليلة أمس مباشرةً بعد إشعارِ السّلطات عمومَ ساكنة المدينتيْن بقرار الإغلاق، حالةً استنفار قصوى امتدّت إلى غاية منتصف اللّيل، صاحبتها ديناميّةٌ مستمرّة للعبور بين المدينتين في محاولاتٍ لاستباق الزّمن قبل سدّ البوّابات الحدوديّة حتى إشعار آخر.

الازدحامُ الشّديد الذي خلقَه التّجاوبُ الفَوري لمواطني المدينتين مع قرار الإغلاق، تسبّب في حالة فوضى عارمةٍ، أتعبت العناصر الأمنيّة المغربيّة والإسبانية التي بذلت جهودا كبيرة لتأمين حركيّة المرور وتنظيمها.

مليلية مدينة الأشباح

بُعيد إغلاق الحدود مباشرةً، بدتْ مليلية التّي كانت نابضة دائمًا بالرّواج والحركة “مدينة أشباحٍ معزولة”، تنتظرُ بحسرةٍ الانعكاساتِ الوخيمةَ التي ستأتي بها الأيّام القادمة، إذا لمْ تضع العبقرية البشريّة في مجالِ البحث العلمي حدًّا لانتشار امتداد الفيروس الوبائي في بقاع العالم.

ونقلت صفحات إسبانية على موقع التّواصل الاجتماعي “فايسبوك”، عددًا من الصّور التي تظهر خلوّ الشّوارع والطّرقات والأماكن العمومية من المارّة، فيما رجّحت المصادر ذاتها إمكانية إغلاق جميع المحلّات في السّاعات القادمة بعد تعليق الدّراسة وكافّة الأنشطة والتّظاهرات.

وعلى الطّرف النّقيض، تستمرّ الحياة بمدن إقليم النّاظور على إيقاعها العادي، في ظلّ عدم تسجيل أيّة إصابة بالفيروس، باستثناء إعلان السّلطات تعليق جميع الأنشطة حتّى إشعار آخر.

مواطنون محاصرون

لم يستطعْ عددٌ من مواطني مدينتي النّاظور ومليلية العبور خلال المدّة الزمنيّة التي أمهلتها السّلطات قُبيل إغلاق المعابر، فظلّوا عالقين على الجانبين، طيلة صباح اليوم الجمعة.

وانتشرت دعواتٌ على مواقع التّواصل الاجتماعي تطالب السّلطات بفتح المعابر كإجراء استثنائي لتمكين هؤلاء من اللّحاق بعائلاتهم.

استثناءٌ فتح المعابر

نقل موقع “ألفارو دي مليلية”، أن سفارة إسبانيا في المغرب صرّحت بإمكانية فتح المعابر الحدودية في كلّ من مليلية وسبتة كإجراء استثنائي في وجه السيّاح الإسبان الرّاغبين في العودة إلى إسبانيا.

وخلال مساء اليوم، تمكّنت عدد من سيّارات “رالي” التي كانت متواجدة في أماكن بعيدة بالمغرب العبور إلى داخل مليلية، فيما لا تتوفّر، إلى حدّ الآن، أيّة معطيات بخصوص السّماح لبقيّة العالقين بالعبور.

إغلاق المعابر “قرار حكيم”

مصطفى حجاج، فاعل جمعوي ببني أنصار، وصف إغلاق المعابر الحدودية بين الناظور ومليلية بـ”القرار الحكيم الذي يدخل ضمن الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار فيروس خطير بحجم “كورونا””.

وتابع حجاج قائلا: “هذا القرار، رغم صعوبته وانعكاساته الوخيمة على مواطني المغرب وإسبانيا، فهو أفضل إجراء يمكنُ أن يُتّخذ في مثل هذه الظّرفية، لأن الخسائر الاقتصادية والسّياحية وعزلة العائلات بعضها عن بعض أفضل من الخسائر في الأرواح”.

مهلة “إغلاق المعابر” غير كافية

من جهةٍ أخرى، أثار القرارُ المفاجئ الذي أعلنت عنه السّلطات المغربيّة أمس، استياءً عارمًا لدى مواطني المدينتين الذين اعتبروا المهلة المُعطاةَ غير كافية للتنقّل والعبور، وما يرافقهما من إجراءات واتخاذ احتياطاتٍ تستلزمُ ظرفًا زمنيّا لا يقلّ عن يومين على الأقل.

فهد كطار، مغربيّ مقيمٌ في مدينة مليلية، قال في حديثه إلى جريدة هسبريس: “كنت في طريقي إلى منزل عائلتي بالنّاظور لأخذ بعض الحاجيات، وحين تفاجأتُ بقرار إغلاق المعابر الحدودية مع منتصف اللّيل، أدركتُ حينها أن الوقت والازدحام الشديد لن يسعفاني للعودة إلى زوجتي وأبنائي في مليلية، فتراجعتُ عن قراري”.

وأضاف المتحدّث: “كان من الأولى أن تُعلن السّلطات عن هذا القرار في وقتٍ سابق، ليتمكّن الجميع من أخذ كافّة الاحتياطات لمدّة تمتدّ إلى أكثر من يوم على الأقل. فعلًا، الستّ ساعات التي أمهلتها السّلطات لنا لم تكن كافيّة أبدًا، وأظنّها قد تسبّبت في الكثير من المشاكل والعراقيل لدى الكثير من النّاس”.

“لقد عشنا أمس كابوسا حقيقيّا”، يقول المتحدّث قبل أن يردف قائلًا: “انفلتت الأمور من بين أيدينا ولم ندرِ ما نفعله سوى أن نتسابق مع الزّمن للقيام بكافّة إجراءات التنقّل قبل أن تُغلق البوّابات الحدودية”.

حسرة وأمل

عبّر خوان كارلوس سابيرو، مواطن إسباني مقيم بمليلية، عن حسرته الشّديدة بإغلاق المعابر الحدودية قائلًا: “يؤسفنا حقّا هذا الأمر، لكنّه يبقى قرارًا حكيمًا وأحدَ الحلول المهمّة للتّعاطي مع واقعة انتشار الفيروس الخطير، ليس هناك إلى حدّ الآن علاج لهذا الوباء، وأعتقد أنّ أنجع طريقةٍ لتطويقه هي منع التّنقل والاجتماع والاحتكاك بين الأفراد”.

ويردف سابيرو قائلا: “نأملُ ألاّ يمتدّ خطر الفيروس كثيرًا، ويتمّ محاصرته في أقرب وقتٍ وتعود الأمور إلى سابق عهدها”.

خسائر مزاولي التّهريب المعيشي

إغلاق المعابر الحدودية كان صدمة كبيرة لمزاولي التّهريب المعيشي، الذين باتوا منذ الآن بدون عملٍ، وخسارةً لأولئك الذين اشتروا بعض السّلع وكانوا في انتظار تهريبها إلى النّاظور.

يقول “حسن. م”، أحدُ مزاولي التّهريب المعيشي: “إغلاق المعابر الحدودية لم يكن بالقرار المفاجئ كثيرًا، باعتبار أنّنا كنّا ننتظر في أيّة لحظة أن يُتّخذ هذا الإجراء حينما علمنا أن “كورونا” أصاب عددًا كبيرًا من مواطني إسبانيا كما سمعنا بذلك، ولكن لم نكن نعلم بأن القرار سيكون مفاجئًا على هذا النّحو”.

لقد أصبحنا الآن بدون عمل، يتابع حسن، “في الوقت الذي كنّا ننتظر فيه أن يجد المسؤولون لنا بدائل للعمل خلال ما تبقّى من وقت لإنهاء عهد هذه المهنة كما كان مقرّرًا ذلك في شهر أبريل. إنها خسارة كبيرة لحقت بنا جميعًا، وخاصّة بعض الزّملاء الذين اشتروا سلعًا وكانوا بصدد تهريبها صباح هذا اليوم”.

مصدر: هسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *